عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

413

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « فَإِذا أَفَضْتُمْ » العامل فيها جوابها ، وهو « فاذكروا » قال أبو البقاء « 1 » رحمه اللّه « ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها ، فيما قبلها ؛ لأنه شرط » . ومنع أبو حيّان من ذلك بما معناه : أنّ مكان إنشاء الإفاضة غير مكان الذكر ؛ لأنّ ذلك عرفات ، وهذا المشعر الحرام ، وإذا اختلف المكان ، لزم منه اختلاف الزمان ضرورة ، فلا يجوز أن يكون الذكر عند المشعر الحرام واقعا عند إنشاء الإفاضة . قوله : « من عرفات » متعلّق ب « أفضتم » والإفاضة في الأصل : الصبّ ، يقال : فاض الإناء ، إذا امتلأ حتّى ينصبّ عن نواحيه . ورجل فيّاض ، أي : مندفق بالعطاء ؛ قال زهير : [ الطويل ] 998 - وأبيض فيّاض يداه غمامة * على معتفيه ما تغبّ فواصله « 2 » وحديث مستفيض ، أي شائع . ويقال : فاض الماء وأفضته ، ثم يستعمل في الإحرام مجازا . والهمزة في « أفضتم » فيها وجهان : أحدهما : أنها للتعدية ، فيكون مفعوله محذوفا ، تقديره : أفضتم أنفسكم ، وهذا مذهب الزجاج ، وتبعه الزّمخشريّ « 3 » ، وقدّره الزجاج فقال : معناه : دفع بعضكم بعضا والإفاضة : الاندفاع في السّير بكثرة ، ومنه يقال : أفاض البعير بجرته ، إذا وقع بها فألقاها منبثة ، وكذلك أفاض القداح في الميسر ، ومعناه : جمعها ، ثم ألقاها متفرّقة ، وإفاضة الماء من هذا ؛ لأنه إذا صبّ ، تفرّق ، والإفاضة في الحديث ، إنّما هو الاندفاع فيه بإكثار ، وتصرّف في وجوهه ؛ قال تعالى : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] ، قال بعضهم : وليس كذلك ؛ لما يأتي ، ومنه يقال للناس : فوض ، ومثلهم فوضى ، ويقال : أفاضت العين دمعها . فأصل هذه الكلمة : الدفع للشيء حتى يتفرق ، فقوله تعالى : « أفضتم » ، أي : دفعتم بكثرة ، وأصله : أفضتم أنفسكم ، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم : دفعوا من موضع كذا ، وصبّوا . والوجه الثاني : أنّ أفعل هنا ، بمعنى « فعل » المجرد فلا مفعول له . قال أبو حيّان : لأنه لا يحفظ : أفضت زيدا بهذا المعنى الذي شرحناه آنفا وأصل أفضتم : أفيضتم فأعلّ ؛ كنظائره ، بأن نقلت حركة حرف العلّة على السّاكن قبله فتحرّك حرف العلّة في الأصل ، وانفتح ما قبله ؛ فقلب ألفا ، وهو من ذوات الياء من الفيض ، كما تقدّم ، وليس من ذوات الواو من قولهم : فوضى الناس ، وهم أخلاط الناس بلا سائس .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 87 . ( 2 ) البيت ينظر ديوانه ص ( 111 ) الجنى الداني ص ( 441 ) ، اللسان « غيب » . ( 3 ) ينظر : الكشاف 1 / 245 .